فصل: وإنْ يكُنْ حينَ الخِصَام بَاعَا *** فالْمُشْترِي يَخْصِمُ مَا اسْتَطَاعَا

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البهجة في شرح التحفة ***


وإنْ تَدَاعَيَاه فالقَضَاءُ *** لمن لهُ العُقُودُ والبِنَاءُ

‏(‏وإن تداعياه‏)‏ أي الجدار فادعاه كل لنفسه ولا بينة لواحد منهما ‏(‏فالقضاء‏)‏ يكون ‏(‏لمن‏)‏ شهد ‏(‏له‏)‏ به العرف وهو ستة ‏(‏العقود والبناء‏)‏ عليه والباب والغرز والكوة ووجه البناء فالعقود والقمط مترادفان وهما عبارة عن معاقد الأركان وهي إدخال الحائط في الآخر كاشتباك الأصابع، ومنه تقميط الصبي وهو إدخاله وستره في الخرق، وإنما قضى به لذي القمط والعقود لأن الحيطان المعقود بعضها ببعض كحائط واحد بني في وقت واحد لمالك واحد، وقيل‏:‏ العقود عبارة عن تداخل الأركان، والقمط عبارة عما يشد به وجه الحائط ويمنعه من الانتثار من جير وجص ونحوهما، وقيل‏:‏ القمط الفرج غير النافذة، وقيل‏:‏ توجيه الآجر، وقيل‏:‏ السواري تبنى في الحائط، فهما على هذه التفاسير متباينان وكل من هذه الوجوه يشهد لمن هي إلى جهته بلا إشكال، وأما البناء فمعناه أن الحائط إذا كان عليه بناء لأحدهما دون الآخر فهو لمن له عليه البناء كسترة ونحوها، وكذا إذا كانت بابه لجهة أحدهما دون الآخر، أو كانت جذوع أحدهما محمولة عليه دون الآخر، أو كانت الكوة الغير النافذة لجهة أحدهما وهي التي تتخذ لرفع الحوائج، ولا بد أن تكون مبنية مع بناء الحائط، وأما المنقوبة فلا دليل فيها كما أن النافذة كذلك، أو كان وجه البناء إلى جهة أحدهما دون صاحبه، فمن وجدت هذه الأشياء أو بعضها إلى ناحيته قضى له به إذا لم تقم بينة للآخر، وإلاَّ فالاعتماد على البينة‏.‏ ولو وجدت هذه الأشياء جميعها فلو اشتركا في هذه العلامات حلفا واشتركا فيه كما لو كانت جذوع كل منهما محمولة عليه أو وجه آجر البناء لجهة كل منهما أو عقوده لكل منهما، فإن كان أحدهما انفرد بالقمط والآخر بالخشب فهو لذي القمط لأنها أقوى دلالة والخشب لم يرها‏.‏ ابن الماشجون حجة قال‏:‏ لأنها تغرز بالهبة والسرقة‏.‏ قال المعلم محمد‏:‏ ما كان منهما موصلاً وضع بغير حفر أوجب الملك لربها وما وضع بالنقب فلا يوجب ملكاً ولو كان لأحدهما باب وللآخر حمل الخشب، فقال سحنون‏:‏ هو لرب الباب وللآخر حمل الخشب، وتقدم عند قوله‏:‏ وواحد يجزىء في باب الخبر الخ‏.‏ أن القاضي يجب عليه أن يشترط على أرباب البصر أن لا يحكموا في شيء ويضعونه بما يزيل الإشكال وينظر هو فيه‏.‏

فصل في ضرر الأشجار

وما يثمر منه وما لا‏.‏

وَكلُّ ما كَانَ مِنَ الأَشْجَارِ *** جَنْبَ جِدَارٍ مُبْدِيَ انتِشَارِ

‏(‏وكل ما كان من الأشجار جنب جدار‏)‏ أي حذوه حال كونه أي الأشجار ‏(‏مبدي انتشار‏)‏ أي آخذاً فيه فهو على قسمين‏:‏ إما أن يكون الجدار سابقاً على الأشجار أو العكس‏.‏

فإنْ يَكن بَعْدَ الْجِدَارِ وُجِدا *** قُطِعَ ما يُؤْذِي الجِدَارَ أَبَدَا

‏(‏فإن يكن‏)‏ الشجر ‏(‏بعد‏)‏ بناء ‏(‏الجدار وجدا‏)‏ أي غرس ‏(‏قطع ما يؤذي الجدار‏)‏ منه ‏(‏أبدا‏)‏ من غير خلاف‏.‏

وَحَيْثُ كَانَ قَبْلَهُ يُشَمَّرُ *** وَتَرْكُه وَإنْ أضَرَّ الأشْهَرُ

‏(‏وحيث كان‏)‏ الشجر موجوداً ‏(‏قبله‏)‏ أي قبل الجدار ‏(‏يشمر‏)‏ يقطع أغصانه التي انتشرت على الجدار وأضرت به وهو قول مطرف وعيسى وأصبغ وابن حبيب، واستظهره في البيان وهو المعتمد والمذهب، ووجهه أن الجدار بناه ربه في ملكه فأغصان الشجر الممتدة عليه قد خرجت عن ملك ربها فيجب قطعها لأنها ضرر على من خرجت إليه، ومقابله لابن الماجشون أنها لا تشمر لأن الباني قرب شجرة قد أخذ من حريمها وهو يعلم أن شأن الشجر الانتشار ولم يرجح ‏(‏خ‏)‏ واحداً منهما بل قال‏:‏ ويقطع ما أضر من شجره بجدران تجددت وإلاَّ فقولان‏.‏ وأما الناظم فشهر الثاني حيث قال‏:‏ ‏(‏وتركه‏)‏ أي التشمير ‏(‏وإن أضر‏)‏ الشجر بالجدار هو ‏(‏الأشهر‏)‏ وفيه نظر فإن الأشهر هو الأول كما مر لظهور علته وكثرة قائله، ولذا كان لا خصوصية للجدار بم ذكر بل كذلك إذا امتدت أغصانها على أرض جاره فإنه يقطع منها ما أضر بأرضه كما يأتي في قوله‏:‏ وكل ما خرج عن هواء صاحبه الخ‏.‏

ومَنْ تكُنُ لَهُ بِمِلْكٍ شَجَرَهْ *** أَغْصَانُهَا عاليَةٌ مُنْتَشِرَهْ

‏(‏ومن تكن له بملك‏)‏ أي في ملكه وأرضه ‏(‏شجرة‏)‏ من نعتها ‏(‏أغصانها عالية منتشرة‏)‏ في هواء ملك ربها لم تخرج عن هوائه محال‏.‏

فلاَ كلاَمَ عِنْدَ ذَا لِجَارِها *** لا في ارْتِفَاعِهَا وَلا انْتِشَارِهَا

‏(‏فلا كلام عند ذا لجارها لا في ارتفاعها ولا‏)‏ في ‏(‏انتشارها‏)‏ وإن منعته الشمس والريح فلا حجة له كالبنيان يرفعه الرجل في ملكه فيمنع جاره الشمس والريح كما يأتي آخر الفصل بعده‏.‏

وَكُلُّ ما خَرَجَ عن هَوَاءِ *** صَاحِبهَا يُقْطَعُ باسْتِوَاءِ

‏(‏وكل ما خرج‏)‏ من أغصانها ‏(‏عن هواء‏)‏ أرض ‏(‏صاحبها‏)‏ وامتد على أرض جاره فإنه ‏(‏ يقطع‏)‏ ذلك الخارج فقط ‏(‏باستواء‏)‏ وظاهره أنه لا حجة له في قوله‏:‏ أخاف أن يطرقني أو يتكشف علي منها وهو كذلك، ولكن إذا صعد عليها أنذره بطلوعه ليستتر منه حريمه ‏(‏ خ‏)‏ عاطفاً على ما لم يمنع فيه وصعود نخلة وأنذر بطلوعه، وهذا إذا كانت نابتة في أرضه فامتدت أغصانها لأرض جاره، وأما لو كانت لك شجرة نابتة في أرضه باعها لك أو خرجت لك بقسمة ونحوها فليس له أن يقطع ما طال وانبسط منها كما قال‏:‏

وَإنْ تكن بِمِلْكِ مَنْ لَيْسَتَ لَه *** وَانْتَشَرَتْ حتى أَظَلَّتْ جُلَّهُ

‏(‏وإن تكن‏)‏ شجرة ‏(‏بملك من ليست له‏)‏ أي في أرض غيره ملكها بشراء أو هبة ‏(‏ وانتشرت‏)‏ وعظمت ‏(‏حتى أظلت جله‏)‏ أي جل ملك الغير‏.‏

فما لربِّ الْمِلْكِ قَطْعُ مَا انْتَشَرْ *** لِعِلْمِهِ بِأَنَّ ذَا شَأَنُ الشَّجرْ

‏(‏فما لرب الأرض قطع ما انتشر‏)‏ منها وإن أضر بأرضه ‏(‏لعلمه بأن ذا شأن الشجر‏)‏ قاله ابن القاسم وغيره‏.‏ وهذا كله في الأغصان، وأما لو كانت له في أرضه شجرة فخرجت عروقها لأرض جاره فنبتت وصارت شجراً مثمراً فإن من نبتت في أرضه مخير بين أن يقلعها أو يعطيه قيمتها مقلوعة إلا أن يكون لصاحب الشجرة منفعة لو قلعها وغرسها بموضع آخر لنبتت فله قلعها وأخذها وإن كانت لا منفعة له فيها ولا مضرة عليه فيها فهي لرب الأرض انظر المواق‏.‏

وَالحُكْمُ في الطّريقِ حُكْمُ الجَارِ *** في قَطْعِ ما يُؤْذِي مِنَ الأَشْجَارِ

‏(‏والحكم في الطريق‏)‏ تمتد أغصان الأشجار عليها ‏(‏حكم الجار في قطع ما يؤذي‏)‏ المارين في الطريق ‏(‏من الأشجار‏)‏ لأن الطريق حبس على سائر المسلمين وذلك يوجب استواء الحكم بينهم وبين الجار، ومفهوم الأشجار أن البناء بالطريق يهدم وإن لم يؤذ المارين ولا ضيقها عليهم ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ويهدم بناء بطريق ولو لم يضر الخ‏.‏ نعم لا بأس بالروشن والساباط فوق الطريق النافذة لمن له الجانبان حيث رفع على رؤوس الراكبين ولم يظلماها كما قال ‏(‏خ‏)‏ أيضاً‏:‏ وروشن وساباط لمن له الجانبان بسكة نفذت، وتقدم ما في ذلك عند قول الناظم‏:‏ كالفرن والباب وكذا من ملك جانبي النهر فله أن يبني ساباطاً فوقه وليس للسطان منعه ولا حجة له في أن الوادي له نقله ‏(‏م‏)‏‏.‏

فصل في مُسْقط القيام بالضرر

على المشهور بأنه يحاز بما تحاز به الأملاك‏.‏

وَعَشْرَةُ الأَعْوَامِ لامْرِىءٍ حَضَرْ *** تَمْنَعُ إنْ قَامَ بِمُحْدِثِ الضَّرَرْ

‏(‏وعشرة الأعوام‏)‏ مضت ‏(‏لامرىء‏)‏ رشيد ‏(‏حضر‏)‏ إحداث ضرر عليه عالماً به ساكناً بلا عذر ‏(‏تمنع‏)‏ الحاضر المذكور ‏(‏إن قام‏)‏ بعدها ‏(‏بمحدث‏)‏ بفتح الدال ‏(‏الضرر‏)‏ من إضافة الصفة للموصوف أي الضرر المحدث، وفهم منه أنه إذا كان غائباً أو مضت عليه أقل من عشرة أو كان محجوراً مولى عليه أو صغيراً أي غير عالم أو غير ساكت أو كان له عذر له في سكوته من سطوة ونحوها فهو على حقه، ولو طالت المدة حتى تمضي عشر سنين من قدومه من الغيبة وزوال الحجر وحصول العلم ونحو ذلك‏.‏

وَذَا بهِ الْحُكْمُ وبالْقِيَامِ *** قدْ قِيل بالزائِدِ في الأَيَّامِ

‏(‏وذا‏)‏ القول الذي قال يسقط حقه بمضي العشرة وهو قول ابن القاسم وأشهب وابن نافع و‏(‏به الحكم‏)‏ وعليه العمل كما في المعيار عن ابن رشد، ومثله في التبصرة وغيرها، ومقابله لأصبغ أنه لا يسقط حقه إلا بالعشرين سنة ونحوها وهو معنى قوله‏:‏ ‏(‏وبالقيام قد قيل بالزائد‏)‏ على العشرة ‏(‏في الأيام‏)‏ الكثيرة إلى عشرين سنة ونحوها، فيسقط حقه حينئذ وغايته أنه أطلق جمع القلة على جمع الكثرة وهو كثير في العربية كما في الخلاصة هذا هو الظاهر، فيكون قد أشار إلى قول أصبغ، ويحتمل أن يكون أراد بالأيام اليسيرة كالعشرة أيام بدليل جمع القلة، ويكون أشار إلى قول من قال‏:‏ إن العشر سنين لا تكفي بل لا بد من مطلق الزيادة عليها حسبما حكاه ابن عرفة في جملة الأقوال الثمانية التي نقلها فيما يسقط به الضرر، وظاهر النظم أن العشرة أعوام قاطعة لحقه، سواء كان الحائز قريباً للمحوز عنه أو أجنبياً وهو كذلك كما في الطرر وغيرها فليست حيازة الضرر كحيازة الأملاك التي يفرق فيها بين الأقارب والأجانب، وظاهره أيضاً أنها قاطعة لحقه كان الضرر مما لا يتزايد كالكوة والباب أو مما يتزايد ضرره كالكنيف والمدبغ والحفر التي يستنقع الماء فيها وهو كذلك، وقيل‏:‏ الضرر المتزايد لا يحاز بالعشرة ولا بغيرها لأن الدباغ والكنيف يحدثان بطول الزمان وهناً على وهن وضعفاً في جدار الجدار فله القيام بما زاد عليه من الضرر ولو طال، وقيل‏:‏ لا يحاز الضرر أصلاً كان مما يتزايد أم لا‏.‏ وهو قول ابن حبيب، وعليه ففي حوز الضرر وعدمه‏.‏ ثالثها إن كان مما لا يتزايد وعلى الحوز ففي كونه بالعشر أو بالعشرين ثالثها بالعشر وزيادة الأيام اليسيرة‏.‏

وَمن رأى بُنْيَانَ مَا فِيهِ ضَرَرْ *** وَلَمْ يقُمْ مِنْ حِينِهِ بِمَا ظَهَرْ

‏(‏ومن رأى بنيان ما فيه ضرر‏)‏ عليه وسكت ‏(‏ولم يقم من حينه بما ظهر‏.‏

حَتَى رَأى الْفَرَاغَ مِنْ إتْمَامِهِ *** مُكِّنَ بالْيَمِينِ مِن قِيامِهِ

حتى رأى الفراغ من إتمامه‏)‏ أي البنيان وفتح الباب ونحوهما فقام بحقه بعد الفراغ بالقرب وأحرى بعد طول وقبل مضي مدة الحيازة ‏(‏مكن باليمين من قيامه‏)‏ أي‏:‏ فيحلف أن سكوته حتى كمل البنيان وفتح الباب مثلاً ما كان عن رضا بإسقاط حقه ويهدم البناء ويسد الباب حينئذ قاله في التبصرة والوثائق المجموعة وابن سلمون وغيرهم، وفهم من قوله‏:‏ ولم يقم أنه إذا قام حين رآه يبني وأراد منعه من البناء فإنه لا يمنع من بنائه وإتمام عمله حتى يثبت الضرر ويعذر للباني فيه ولم يجد فيه مطعناً فيهدم البناء عليه حينئذ، ولو كمل كما في التبصرة، والفرق بين هذه المسألة ومسألة الناظم أنه في هذه أراد أن يمنعه بمجرد الدعوى حين شروعه في البناء أو بعد أن أثبت البينة المحتاجة للتزكية والاعذار فإن الباني لا يمنع من إتمام عمله حتى يعجز عن الدفع كما مر إذ لا يحكم على أحد بالمنع من التصرف في ملكه مع قيام احتمال صحة الدعوى والبينة وعدم صحتها وبه تعلم أن ما للشيخ الرهوني من استشكال هذه المسألة غير سديد كما أن ما قاله من عدم وجوب اليمين في مسألة الناظم إن قام بالقرب غير سديد أيضاً إذ هذه اليمين يمين تهمة والمعمول به توجهها في القرب والبعد كما مر في باب اليمين‏.‏

فإنْ يَبِعْ بَعْدُ بلا نِزَاعِ *** فلا قيامَ فِيهِ لِلْمُبْتَاعِ

‏(‏فإن يبع‏)‏ المحدث عليه الضرر ‏(‏بعد‏)‏ أي بعد حدوثه عليه وعلمه به حال كونه ‏(‏بلا نزاع‏)‏ فيه أي باع بعد الإحداث والعلم به وقبل النزاع فيه ‏(‏فلا قيام‏)‏ ولا خصام ‏(‏ فيه للمبتاع‏)‏ اتفاقاً كما في ‏(‏خ‏)‏ عن ابن عرفة لأنه اشترى على تلك الحالة، وظاهره ولو لم يعلم به، وقيل‏:‏ إذا لم يعلم به المشتري فله رده على البائع لأن الضرر عيب لم يطلع عليه، فإذا رده فللبائع حينئذ القيام به قاله في المتيطية عن حبيب بن نصر، وينبغي حمله على التفسير لما درج عليه الناظم‏:‏

وإنْ يكُنْ حينَ الخِصَام بَاعَا *** فالْمُشْترِي يَخْصِمُ مَا اسْتَطَاعَا

‏(‏وإن يكن‏)‏ البائع لم يعلم بالإحداث أو علم وتكلم فيه وخاصم و‏(‏حين الخصام‏)‏ أو عدم العلم ‏(‏باعا فالمشتري يخصم‏)‏ في ذلك الضرر ‏(‏ما استطاعا‏)‏ لقيامه مقام البائع حينئذ وحلوله محله إذ البائع حينئذ باع ما يملكه من الدار ورفع الضرر، والمشتري اشترى ذلك فقام فيه مقام البائع، وظاهره أن هذا البيع جائز وليس هو من بيع ما فيه خصومة‏.‏ وقال ابن بطال معناه‏:‏ إن الحاكم قضى بإزالة الضرر وأعذر وبقي التسجيل والإشهاد يعني على الحكم، وأما لو باع وقد بقي شيء من المدافع والحجج لم يجز البيع لأنه بيع ما فيه خصومة يعني‏:‏ والمشهور منعه، وقد أطال ‏(‏خ‏)‏ من ذكر الخلاف في هذه المسألة والمعول عليه ما للناظم والله أعلم‏.‏

وَمَانِعُ الشَّمْسِ أَوْ الرِّيحِ مَعا *** لِجَارِهِ بِمَا بَنَى لَنْ يُمْنَعَا

‏(‏ومانع الريح أو الشمس‏)‏ أو هما ‏(‏معاً لجاره‏)‏ مفعول بمانع واللام زائدة لا تتعلق بشيء ‏(‏بما بنى لن يمنعا‏)‏ من ذلك على المشهور ابن ناجي وبه العمل، وهو مذهب المدونة قال فيها‏:‏ ومن رفع بنيانه فتجاوز به بنيان جاره وأفسد عليه كواه فأظلمت‏.‏ أبواب غرفه وكواها ومنعه الشمس لم يمنع من هذا البنيان اه‏.‏ وهذا إذا كان للباني في رفع بنائه منفعة قصدها، وأما إذا لم يكن له في البناء منفعة وثبت ذلك فإنه يمنع كما قاله ابن عتاب، إذ لا ضرر أكثر من أن يمنع الإنسان جاره الضوء والريح من غير نفع يعود عليه في ذلك، وظاهره أنه لا يمنع من رفع بنيانه ولو منع الشمس والريح عن الأندر السابقة على بنائه وهو ما استظهره ابن رشد كما مّر عند قوله‏:‏ فإن يكن يضر بالمنافع الخ‏.‏ ولكن المشهور خلافه ‏(‏خ‏)‏‏:‏ لا مانع شمس وريح إلا الأندر أي فإنه يمنع من بناء ما يمنع الشمس والريح، وظاهره ولو احتاج للبنيان وكانت له فيه منفعة ومثل الأندر مرج القصار ومنشر المعاصر وجرين التمر والفرق بين الأندر وغيرها عند ابن القاسم فيما يظهر أن الدار لا يمكن منع الضوء منها جملة إذ ما يقابلها من السماء يضيئها قطعاً، وكذا الشمس، وأما الريح فالمقصود منها اتقاؤه بها والكوة يمكنه فتحها لوسط داره بخلاف الأندر وما معه فإن منفعته تبطل كلها بمنع الشمس والريح، وأما البئر إذا أراد حفرها في أرضه وهي تنقص ماء بئر جاره أو تقطعه فقد يتقدم الكلام عليها عند قوله‏:‏ أو ما له مضرة بالجدر‏.‏

فصل في الغصب والتعدي

قال ‏(‏خ‏)‏‏:‏ الغصب‏:‏ هو أخذ مال قهراً تعدياً بلا حرابة الخ‏.‏ فقوله‏:‏ أخذ مال كالجنس يشمل أخذ الإنسان مال نفسه من تحت يد المودع وغيره، وخرج بقوله مال أخذ امرأة اغتصاباً كما يأتي، وخرج به أيضاً أخذ رقبة الحر والخنزير ونحوهما مما لا يملكه المسلم، وقوله قهراً مخرج للسرقة لأنها أخذ مال خفية وللغيلة لأنه لا قهر فيها لأنها بموت المالك، ومخرج أيضاً لما أخذه اختياراً كالسلف والعارية والقراض والصدقة ونحوها‏.‏ وقوله‏:‏ تعدياً مخرج لما أخذه من محارب ونحوه، ولما إذا أخذ الشيء المغصوب من يد غاصبه ولآخذ الزكاة كرهاً من ممتنع من دفعها ولأخذ الجزية ولأخذ السيد مال عبده ولأخذ الأب والجد الغنيين مال ولدهما لأن لهما فيه شبهة، ولذا لم يقطعا فيه فإن ذلك كله مأخوذ بالقهر، ولكن لا عداء فيه‏.‏ وقوله‏:‏ بلا حرابة مخرج لما أخذه المحارب فإن الأوصاف السابقة تصدق عليه والحرابة غير الغصب لاختلاف أحكامهما‏.‏ قال في المدونة‏:‏ وليس كل غاصب محارباً لأن السلطان يغصب ولا يعد محارباً اه‏.‏ واعترض قوله‏:‏ بلا حرابة بأنه يوجب في الحد التركيب الذي هو توقف المحدود على معرفة حقيقة أخرى ليست أعم منه ولا أخص من أعمه، وبأنه غير مانع لدخول المنافع فيه كأخذه سكنى دار وحرث عقار ونحوهما‏.‏ وليس غصباً بل تعدياً فلو زاد بعد قوله‏:‏ مال غير منفعة، وأبدل قوله بلا حرابة بقوله بلا خوف فقال كما فعل ابن عرفة لسلم من الاعتراض، والمراد بالأخذ الاستيلاء على المال وإن لم يحزه لنفسه بالفعل، فإذا استولى الظالم على مال شخص وحال بينه وبين ماله وقد أبقاه بموضعه الذي وضعه ربه كان غاصباً ضامناً له إن تلف‏.‏

وأما التعدي‏:‏ فهو كما قال ابن عرفة التصرف في الشيء بغير إذن ربه دون قصد تملكه فقوله‏:‏ التصرف كالجنس يشمل التصرف بالانتفاع والتصرف بالاستهلاك والإتلاف كلاً أو بعضاً، فالأول كقتل الدابة وحرق الثوب، والثاني كخرق بخاء معجمة لثوب وكسر بعصى صحفة أو عصى، وقوله بغير إذن ربه مخرج للإجارة والعارية ونحوهما‏.‏ وقوله‏:‏ دون قصد تملكه مخرج للغصب لأن الغاصب يقصد تملك المغصوب، وقد فهم منه أن الفرق بين الغصب والتعدي هو قصد التملك وعدمه، وأنه إذا أقر بقصد التملك أو دلت عليه قرينة واضحة فهو غاصب تجري عليه أحكامه، وإن أقر بقصد المنفعة أو قامت قرينة عليها فهو متعد فتجري عليه أيضاً أحكامه، فإن لم يكن إقرار ولا قرينة فالقول قوله فيما يدعيه من غصب المنفعة أو الذات إذ لا يعلم ذلك إلا من قوله‏.‏ والقاعدة أن كل ما لا يعلم من الأمور القلبية إلا بقول مدعيه يصدق فيه ويتصور التعدي أيضاً بأن يكون بعد تقدم إذن من مالكه كتعديه في العارية أو في الكراء أو زيادة المسافة أو الحمل فمن أحكام الغصب قوله‏:‏

وَغَاصِبٌ يَغْرَمُ مَا اسْتَغَلَّهُ *** مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَرُدُّ أصْلَهُ

‏(‏وغاصب‏)‏ سوغ الابتداء به قصد الجنس ‏(‏يغرم ما استغله من كل شيء‏)‏ غصبه كان المغصوب حيواناً أو عقاراً وسواء استغل بنفسه فركب الدابة أو سكن الدار مثلاً أو أكراها لغيره ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وضمن غلة مستعمل الخ‏.‏ أي فيرد قيمة المنفعة والصوف والثمرة واللبن ‏(‏ويرد‏)‏ أيضاً ‏(‏أصله‏)‏ وهو المغصوب أي فيرد ما ذكر مع الغلة من رد عين الشيء المغصوب‏.‏

حَيْثُ يُرَى بِحَالِهِ فإنْ تَلِفْ *** قُوِّمَ والمِثْلُ بِذِي مِثْلِ أُلِفْ

‏(‏حيث يرى‏)‏ كل منهما باقياً ‏(‏بحاله‏)‏ لم يتغير ولم يتلف ‏(‏فإن‏)‏ تلف الصوف أو الثمرة ولم تقم على التلف بينة فيغرم مكيلة الثمرة ووزن الصوف إن علما أو قيمتهما إن جهلا مع رد عين المغصوب لربه، وإن قامت بينة على تلفهما بغير سببه فيرد المغصوب فقط ولا ضمان عليه فيهما اتفاقاً قاله ابن رشد‏.‏ وأما إن ‏(‏تلف‏)‏ الشيء المغصوب بسماوي أو بسبب عداء الغاصب عليه ‏(‏قوّم‏)‏ على الغاصب وغرم قيمته يوم غصبه لا يوم عدائه عليه ولا يوم التلف بسماوي، وأما إن تلف بعداء أجنبي عليه عند الغاصب فإن ربه مخير بين أن يتبع الغاصب بقيمته يوم غصبه فيتبع الغاصب حينئذ الأجنبي بقيمته يوم الجناية ولو زادت على قيمته يوم الغصب وتكون له الزيادة، وبين أن يتبع الجاني بقيمته يوم الجناية ولو زادت على قيمته يوم الغصب، فإن كانت أقل من قيمته يوم الغصب أخذها ورجع على الغاصب بما بقي له لتمام قيمته يوم الغصب ‏(‏خ‏)‏‏:‏ فيغرم قيمته يوم غصبه، ولو قتله الغاصب تعدياً وخير في قتل الأجنبي فإن تبعه تبع هو الجاني فإن أخذ ربه أقل فله الزائد من الغاصب فقط الخ ‏(‏والمثل‏)‏ أي‏:‏ وأما إن كان المغصوب التالف مثلياً فإنه يضمن ‏(‏بذي المثل ألف‏)‏ سواء تلف بسماوي أو بسبب الغاصب فيرجع المغصوب منه عليه بمثله، أو تلف بسبب أجنبي فيخير ربه بين أن يرجع عليه أو على الغاصب بمثله‏.‏ وقوله‏:‏ استغله يعني مع بقاء عينه أما الدنانير يتجر بها والزرع يحرثه فالربح له اتفاقاً في طريقة‏.‏ ابن رشد‏:‏ ومفهوم قوله استغله وقول ‏(‏خ‏)‏ مستعمل أنه إذا عطل كما إذا لو ربط الدابة فلم يستعملها ولا أكراها، أو بور الأرض فلم يحرثها، أو أغلق الدار فلم يسكنها بنفسه ولا بغيره فإنه لا يغرم شيئاً، وهو كذلك على المشهور أيضاً بخلاف غاصب المنفعة فإنه يضمن الغلة مطلقاً سواء استعمل أو عطل كما يأتي مع بقية الفروق بينهما عند قوله‏:‏ كالمتعدي غاصب المنافع الخ‏.‏ وظاهر قوله‏:‏ يغرم ما استغله الخ‏.‏ أنه يضمن الغلة، ولو فات المغصوب بذهاب عينه ولزمت قيمته فيرد الغلة ويغرم القيمة، وهو قول مالك ولكنه خلاف المشهور، ومذهب المدونة من أنه مخير في أخذ قيمته يوم الغصب ولا شيء له من الغلة والولد أو أخذ الثمرة والولد والغلة ولا شيء له من القيمة ونصها وما أثمر عند الغاصب من نخل أو شجر أو نسل من الحيوان أو جز من الصوف أو حلب من اللبن فإنه يرد ذلك كله مع المغصوب لربه، وما أكل رد المثل فيما له مثل والقيمة فيما له قيمة وإن ماتت الأمهات وبقي الأولاد وما جزّ منها أو حلب خير ربها فأما أخذ قيمة الأمهات يوم الغصب ولا شيء له فيما بقي من ولد أو صوف أو لبن ولا في ثمنه إن بيع وإن شاء أخذ الولدان كان ولد وثمن ما بيع من صوف أو لبن ونحوه، وما أكل الغاصب أو انتفع به من ذلك فعليه المثل في المثلى والقيمة في المقوم ولا شيء عليه من قبل الأمهات‏.‏ ألا ترى أن من غصب أمة ثم باعها فولدت عند المبتاع ثم ماتت فليس لربها إلا أخذ الثمن من الغاصب أو قيمتها يوم الغصب، أو يأخذ الولد من المبتاع ولا شيء عليه ولا على الغاصب في قيمة الأم، ثم يرجع المبتاع على الغاصب بالثمن ولا يجتمع على الغاصب غرم ثمنها وقيمتها اه‏.‏ فقوله‏:‏ فأما أخذ قيمة الأمهات الخ‏.‏ قال ابن رشد‏:‏ لأنه إذا ضمنه قيمة الأم يوم الغصب كانت الغلة إنما حدثت فيما قد ضمن بالقيمة‏.‏ ابن ناجي‏:‏ ما ذكره في الكتاب هو المشهور، وقال أشهب‏:‏ يأخذ قيمتها مع عين الولد اه‏.‏ وقول أشهب هذا هو ظاهر النظم، ولكن المشهور خلافه كما رأيت وعلى المشهور، فإن ماتت الأم والولد معاً فليس لربها إلا قيمة الألم خلافاً لأشهب وإن وجدهما حيين أخذهما معاً اتفاقاً وإن ماتت الأم وحدها فله أن يأخذ الولد ولا شيء له من قيمة الأم أو يأخذ قيمة الأم ولا شيء له في الولد ويحد الغاصب الواطىء، وكذا المشتري منه والموهوب له العالمان بالغصب‏.‏ وقولي‏:‏ لم يتغير احترازاً مما تعيب ولم تفت عينه فأما أن يتعيب بسماوي ولو قلّ عيبه فيخير ربه بين أخذه قيمته معيباً ولا شيء له في النقص، أو يأخذ قيمته يوم الغصب ولا شيء له غيرها، وأما أن يتعيب بجناية من الغاصب فيخير بين أخذه قيمته يوم الغصب أو أخذ المغصوب مع أرش العيب وأما أن يتعيب بجناية من أجنبي فيخير في أخذ قيمته من الغاصب يوم الغصب ويتبع الغاصب الجاني بأرش الجناية، وفي أخذ الشيء المغصوب مع أخذ الأرش من الجاني لا من الغاصب ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وان تعيب وإن قل ككسر نهديها أو جنى هو أو أجنبي خير فيه الخ‏.‏ وكيفية التخيير هو ما تقدم‏.‏

تنبيه‏:‏

وعلى ما مر أن الغاصب يغرم الغلة فإنه يرجع على المغصوب منه بما أنفق على العبد والدابة وسقي شجر ورعي ماشية ونحو ذلك‏.‏ ويسقط من الغلة على قول ابن القاسم وهو المشهور ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وللغاصب ما أنفق الخ‏.‏ وهو محصور في الغلة لا يتعداها إلى ذمة المغصوب منه حيث لم تف به الغلة‏.‏

وَالقَوْلُ لِلْغَاصِبِ في دَعْوَى التَّلَفْ *** وَقَدْرِ مَغْصُوبٍ وما به اتَّصَفْ

‏(‏و‏)‏ إذا تنازع الغاصب والمغصوب منه في تلف المغصوب وعدمه أو في قدره أو صفته ف ‏(‏القول للغاصب‏)‏ بيمينه ‏(‏في دعوى التلف‏)‏ للشيء المغصوب إذا ادعى ربه أنه باق عنده وأنه يريد أن يفوته عليه بغرم قيمته‏.‏ ‏(‏و‏)‏ في ‏(‏قدر مغصوب‏)‏ من كيل أو وزن أو عدد لأنه غارم ‏(‏و‏)‏ في ‏(‏ما به اتصف‏)‏ من رداءة بحيث تكون قيمته على وصفه درهمين وعلى وصف ربه عشرة فيحلف الغاصب أنه يوم استيلائه عليه كان على الصفة التي ذكرها ويغرم درهمين، وهذا إذا أشبه فإن وصفه بما لا يشبه فالقول للمغصوب منه بيمينه إن أشبه فإن لم يشبها فقال ابن ناجي‏:‏ يقضي في ذلك بالوسط من القيم بعد أيمانهما بنفي كل منهما دعوى صاحبه وتحقيق دعواه اه‏.‏ والسارق مثل الغاصب في التفصيل المذكور والتقييد بالشبه هو المشهور، وقال أشهب‏:‏ يصدق الغاصب مطلقاً ولو أتى بما لا يشبه كقوله‏:‏ هي بكماء صماء عمياء‏.‏ قال‏:‏ ومن قال برعي الشبه فقط غلط، وإنما ذلك في اختلاف المتبايعين في قلة الثمن وكثرته والسلعة قائمة اه‏.‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ والقول له أي للغاصب في تلفه ونعته وقدره الخ‏.‏ وظاهر قوله‏:‏ وما به اتصف الخ‏.‏ أنه يصدق في وصفه ولو جحد الغصب أو لا‏.‏ وقال اللخمي‏:‏ إذا أنكر الغاصب الغصب وشهدت البينة باعترافه أو بمعاينة غصبه فالقول للمغصوب منه بيمينه أن صفته كانت كذا، ويستحق قيمة وصفه‏.‏ وقيل‏:‏ ليس له بعد يمينه إلا الوسط والأول أصوب اه‏.‏ وهو الذي يجب اعتماده لأن الغاصب لا يقبل وصفه بعد تبين كذبه بجحده‏.‏

تنبيهات‏:‏

الأول‏:‏ ما ذكره الناظم و‏(‏خ‏)‏ من أن القول للغاصب في القدر والوصف هو المشهور، ولكن عمل فاس على خلافه قال ناظمه‏:‏

لولد القتيل مع يمين *** القول في الدعوى بلا تبيين

إذا ادعى دراهماً وأنكرا *** القاتلون ما ادعاه وطرا

قال الناظم في شرحه لنظمه هذه المسألة مما جرى به العمل، وهو أن والد القتيل إذا ادعى دراهم من جملة المنهوب وأنكرها القاتلون فالقول قول والد القتيل، ثم قال ناقلاً عن قاضي الجماعة أبي القاسم بن النعيم ما نصه‏:‏ الذي جرى به العمل عندنا في هذه النازلة ومثلها أن القول قول والد القتيل مع يمينه، والظالم أحق أن يحمل عليه وإن كان المشهور خلافه، وكم من مسألة جرى الحكم فيها بخلاف المشهور ورجحها العلماء للمصالح العامة اه‏.‏ وقال سيدي العربي الفاسي ما ذكره ابن النعيم رحمه الله‏:‏ شاهدنا الحكم به عام قدوم الخليفة أبي العباس المنصور حضرة فاس، وقد انحشر الناس إلى الشكوى بالمظالم وكان يحضر مجلسه أي مجلس الخليفة للحكم فيها علماء فاس كشيخنا المذكور، وشيخنا المفتي سيدي محمد القصار، وشيخنا سيدي علي بن عمران، وعلماء مراكش، وقاضي مراكش، وقاضي شفشاون سيدي محمد بن عرضون رحمهم الله، فكان الحكم يصدر على الوجه المذكور قال‏:‏ والعام المذكور عام أحد عشر وألف اه‏.‏ كلام الناظم بلفظه في شرحه للبيتين‏.‏ وقال الرعيني في كتاب الغصب ما نصه قال مالك فيمن دخل عليه السراق فسرقوا متاعه وانتهبوا ماله وأرادوا قتله فنازعهم وحاربهم ثم ادعى أنه عرفهم أو لم يعرفهم أهو مصدق عليهم إذا كانوا معروفين بالسرقة مستحلين لها‏؟‏ قال‏:‏ هو مصدق وقد نزلت مثل هذه بالمدينة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رجل دخل عليه السراق فانتهبوا ماله وجرحوه، فلما أصبح حمل إلى عمر فقال‏:‏ إنما فعل بي هذا فلان وفلان وقد انتهبوا مالي فأغرمهم عمر بقوله، ونكلهم ولم يكلفه البينة عليهم اه‏.‏ باللفظ‏.‏ ونقله ابن فرحون، وغيره ونحوه ورد عن يحيى بن يحيى، وبمثله أفتى الحفار حسبما في نوازل البيوع من المعيار قائلاً قال الفقهاء‏:‏ من عرف بالتعدي والظلم يغلب الحكم في حقه فمن ادعى على من بهذه الحالة فيحلف الطالب ويستحق ما طلب اه‏.‏ ونحوه رواه أشهب عن مالك في المرأة تدعي على المشتهر بالفسق أنه اغتصبها وتأتي متعلقة به، فإنه يجب لها عليه صداق مثلها، وبه صدر في المقدمات والتصدير من علامات التشهير، ولا سيما وهو قول الإمام الأعظم، ومعلوم تقديمه على قول ابن القاسم وسيأتي ذلك عند قوله‏:‏ وفي وجوب المهر خلف معتبر ولا فرق بين الفروج والأموال، ولأن الفرج هنا آيل للمال وعليه فناظم العمل إنما عنى بنظمه هذا الفقه، وأن المعروف بالظلم والتعدي يقضى عليه بمجرد دعوى المدعي أنه غصبه أو سرقه، وأنه غصبه قدر كذا‏.‏ وقد اعتمد المكناسي في مجالسه هذا الفقه، وكذا القرافي كما مر في التنبيه الثالث عند قوله‏:‏ فالمدعي من قوله مجرد الخ‏.‏ فقوله‏:‏ لوالد القتيل يعني ادعى عليهم أنهم قتلوه ونهبوه أمتعته، ومن جملة المنهوب دراهم قدرها كذا، ولا يريد خصوص أنهم أقروا بالقتل أو ثبت بالبينة كما هي مسألة الصرة الآتية عن العتبية، وفهم من قوله‏:‏ إذا ادعى دراهم الخ‏.‏ أنه إذا ادعى ذلك تحقيقاً وأنه يعمل بدعواه في المال فقط لا في القتل، فإن المدعى عليه لا يقتل بمجرد الدعوى لخطر الدماء والدعوى بما يؤول للمال كالمال لا يأتي في فصل الاغتصاب والمدعى عليه بالقتل، وإن كان لا يقتل لكن يضرب ويطال سجنه حتى يأتي عليه السنون الكثيرة كما يأتي في الدماء، وفهم من قوله في هذه النازلة ومثلها، ومن وقوله‏:‏ والظالم أحق أن يحمل عليه، ومن قوله‏:‏ رجحها العلماء للمصالح، ومن قوله‏:‏ وقد انحشر الناس للشكوى بالمظالم إلى غير ذلك أنه لا مفهوم لقتيل ولا لدراهم، بل كذلك لو كانت الدعوى بالدراهم والقتل أو بالدراهم فقط أو بالحيوان أو العروض أو غير ذلك، وإنما المدار على كون الدعوى على معروف بالتعدي والظلم كقبائل الزمان، فإن جلهم وغالبهم معروف بالتهمة والفساد والحمل على الغالب واجب‏.‏ وقد قال الشيخ ‏(‏م‏)‏ في بعض فتاويه‏:‏ قد آل بنا الحال إلى أن يتبع المسافرين بعض مردة أهل البلد ونحوها مما قرب من البلد فيسفكون دماءهم وينهبون أموالهم ويرجعون إلى البلد بالأمتعة فلا ينتقم منهم، ولا يستفتي عن حكمهم، بل وإلى ما هو أعظم من هذا من القتل صبراً ونهب الأموال من الدور والحوانيت ثم يكتسب فاعل ذلك التعظيم والاحترام فضلاً عن عدم النكير عليه والضرب على يده مع كلامه، وإذا كان مثل هذا يقع في حضرة فاس كما حكاه وكما هو مشاهد الآن في وقتنا هذا، فكيف بالبوادي وقبائل الزمان‏؟‏ حتى صار قاتل النفس لا يضرب فضلاً عن القصاص، والسارق لا يسجن فضلاً عن قطعه، بل كل منهما يعظم ويحترم ولا يشهد أحد عليه، ولهذا جرى العمل بإغرامهم بمجرد الدعوى زجراً لهم ولأمثالهم، وعليه فلا يحتاج لإثبات التلصص بإقرار ولا معاينة، بل بمجرد كونهم ممن يشار إليهم بالتعدي، والظلم يوجب إغرامهم للمصلحة المذكورة كما مر عن الرعيني وغيره‏.‏ وكلام ابن رحال في شرحه صريح في أن العمل به وعليه، فما قاله سيدي محمد بن قاسم في شرح العمل المذكور من أنه لا بد من ثبوت التلصص بالإقرار أو المعاينة كما في مسألة الصرة الآتية لا يعول عليه ولا يلتفت إلى شيء منه لمخالفته لما نقل عن الرعيني وغيره شاهداً لنظم العمل المذكور‏.‏ وما نقله عن أبي الحسن الزرويلي وابن هلال من أن ما للرعيني خلاف الأصول الخ‏.‏ لا يقدح في العمل المذكور لأن ما قاله من مخالفته للأصول إنما هو إذا روعي المشهور، وهم قد قالوا‏:‏ إن هذا العمل مخالف للمشهور فهم معترفون بمخالفته للأصول، وإنما ارتكبوه للمصلحة من عدم ضياع الحقوق، وذلك أن الأصل عدم التعدي والظلم، لكن لما كثر كل منهما في هذا الزمان وغلب أجروا الأحكام على مقتضاه، وحملوا الناس عليه لئلا تضيع الحقوق لأن الأصل والغالب إذا تعارضا فالحكم للغالب لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمر بالعرف‏}‏ ‏(‏الأعراف‏:‏ 199‏)‏ أي احكم به‏.‏ ولذا قال أبو الحسن في أجوبته في مسألة من رفع شخصاً لحاكم جائر فأغرمه ما لا يجب عليه بعد أن حكى فيها قولين ما نصه‏:‏ وهذا وقد كان الحاكم يحكم بحق تارة وبباطل أخرى، وأما الآن فالحاكم لا يحكم إلا بالباطل، فلا ينبغي أن يختلف في أنه يغرم ما خسره اه‏.‏ وسلمه ابن هلال في الدر النثير فأنت تراه حمل الحكام على الظلم والتعدي حيث غلب منهم ذلك، وأوجب على الشاكي الغرامة بمجرد قول المدعي إن الحاكم قبض مني وقدر المقبوض كذا، وإن كان الأصل عدم العداء ونحوه يأتي عن سيدي مصباح في التنبيه الرابع حيث قال‏:‏ إذا تقرر العرف في ولاة الظلم وأجنادهم بغرم المال ممن أخذوه ظلماً كان القول للمأخوذ منه فيما غرم من المال لأن العرف شاهد لمدعيه ويقوم مقام الشاهد الناطق الخ‏.‏ ويأتي نحوه في التنبيه الخامس الخ‏.‏ وقبائل الزمان ومردة حواضرهم كذلك لما كثر منهم العداء وغلب كان القول للمنهوب والمغصوب أنه غصبه، وإن قدر المغصوب كذا كما رأيته فيما يشبه أن يملكه فقط كما قالوه في منتهب الصرة الآتية‏.‏ وإذا علمت هذا فما جرى به العمل له مستند صحيح لا يختلف فيه اثنان، وله أصل أصيل في الشريعة، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي الحسن وابن هلال كما تقدم‏.‏ ولو كانت القبائل والناس في زمانهما على ما هم عليه في وقت جريان العمل المذكور ما وسعهما أن يقولا بمخالفته للأصول لاعترافهما بأن الحكم للغالب كما رأيته، وإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة لأجل استبعاد كثير من الإخوان ما جرى به العمل لضعف مستنده عندهم، وحملوه على خصوص مسألة الصرة المذكورة في العتبية وهي أن رجلاً اختطف صرة بمعاينة البينة وغاب عليها ولم يعرف قدر ما فيها، فالمشهور أن القول للغاصب في قدرها وقال مالك ومطرف‏:‏ إن القول للمنهوب في قدرها، ولكن ليست مخصوصة بالعمل المتقدم خلافاً للرهوني في حاشيته، وتخصيص العمل بها بعيد من الأنقال المتقدمة بدليل تعليلهم بالمصلحة العامة، ولكن يجري العمل المذكور فيها بالأحرى‏.‏

الثاني‏:‏ إذا ثبت التلصص أو علم من عادة القبائل كما هو موجود في قبائل الزمان الآن، فإن اللص والسارق إذا ظفر الحاكم بهما أغرمهما كما مرّ، وإذا لم يظفر بهما وإنما ظفر ببعض قرابتهما أو بعض من يحميهما من قبيلتهما ولو بجاهه فإنه يغرمه ما أخذه اللص أو السارق أو اتهما به ‏(‏خ‏)‏ في الحرابة وبالقتل يجب قتله ولو بإعانة‏.‏ قال الزرقاني‏:‏ أي على القتل ولو بالتقوى بجاهه وإن لم يأمر بقتل ولا تسبب فيه لأن جاهه أعانه عليه حكماً ككونه من فئة ينحاز إليهم قطاع الطريق فيقتل الجميع لأنهم متمالئون اه‏.‏ باختصار، ونحوه في ابن الحاج والشامل، وإذا كان المعين بجاهه والانحياز إليه مؤاخذاً بالقتل فهو مؤاخذ بما نهبوه من الأموال بالأحرى، وقبائل الزمان معلوم ما هم عليه من حمايتهم لمتلصصيهم وغاصبهم بالفعل فضلاً عن حمايتهم لهم بالجاه والانحياز، فلا إشكال أن غير المباشر منهم مؤاخذ بما فعله المباشر ولو لم يظهر منه تسبب لأنه لا أقل من أن يكون حامياً للمباشر بجاهه أو إيوائه إليه بل لو لم يكن هناك حماية أصلاً لا بالجاه ولا بالإيواء والانحياز ولا بغير ذلك لكان إغرامهم لما اتهم به سراقهم وغصابهم أمراً شرعياً كما قال ناظم العمل‏:‏

ولا يؤاخذ بذنب الغير *** في كل شرع من قديم الدهر

إلا إذا سدت به الذريعة *** أو خيف شرع شرعة أو شيعة

والشاهد في قوله‏:‏ إلا إذا سدت به الذريعة، الخ‏.‏ لأنهم إذا غرموا حملهم ذلك على حفظ طرقاتهم وحفظ المارين بأرضهم وعدم كتمان غصابهم وسراقهم، فضلاً عن التعصب عليهم‏.‏ وقد بسطنا الكلام على ذلك بما يشفي الغليل إن شاء الله في الفصل الثالث والسادس من أجوبتنا لأسئلة الإمام محيي الدين‏.‏

الثالث‏:‏ الحكم في الدعوى على المتهوم من وظيفة الولاة كما مر عن الخليفة أبي العباس المنصور إذ هو الذي تولى الحكم في ذلك بمحضر أولئك العلماء، وقد قال القرافي‏:‏ يمتاز نظر القاضي ونظر والي الجرائم بأمور‏.‏ منها‏:‏ أن والي الجرائم يسمع الدعوى على المتهوم ويبالغ في كشفه بخلاف القاضي، ومنها أن يعجل بحبس المتهوم للاستبراء والكشف قال‏:‏ وقد ورد أن النبي ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ وجد في بعض غزواته رجلاً فاتهمه بأنه جاسوس فعاقبه حتى أقر، ومنها أنه يضرب المتهوم مع قوة التهمة، ومنها أنه يتوعد المجرم بالقتل فيما لا يجب فيه قتل لأنه إرهاب لا تحقيق، ويجوز له أن يحقق وعيده بالأدب دون القتل بخلاف القضاة فليس لهم ذلك اه‏.‏ باختصار‏.‏ ونقله ابن فرحون في تبصرته وزاد أن لقضاة المالكية فعل ذلك وسيأتي قول الناظم‏:‏

وإن يكن مطالباً من يتهم *** فما لك بالضرب والسجن حكم

وقال في التبصرة أيضاً‏:‏ كان مالك يقول في هؤلاء الذين عرفوا بالفساد والجرم أن الضرب قل ما ينكلهم، ولكن أرى أن يحبسهم السلطان في السجون ويثقلهم بالحديد ولا يخرجهم منه أبداً فذلك خير لهم ولأهليهم وللمسلمين حتى تظهر توبة أحدهم، ويثبت ذلك عند السلطان فإذا صلح وظهرت توبته أطلقه اه‏.‏ من النوادر‏.‏ فهذه النصوص متواترة بكشف المتهوم واحداً كان أو جماعة من القبائل أو غيرهم، ومع ذلك يضمنون لما مر من المصلحة العامة أو سداً للذريعة كما مرّ، وعليه فإرسال المتهوم للقاضي يحكم بينهم من زيادة الفساد قطعاً وإهمال سد الذرائع ليس بالأمر الهين إذ فيه إعانة الظالم على ظلمه لأن غاية ما يفعله القاضي أن يكلف المنهوب بالبينة، وأين هذه البينة‏؟‏ إذ لو حضرته البينة ما غصب وما سرق، وعلى فرض وجودها فلا تكون إلا من أهل البلد وهم على ما هم عليه من الحمية والعصبية وقوة التهمة بالتعدي والفساد، فكيف يشهدون مع كونه نهب بأرضهم بل من شهد منهم عاقبوه وخشي على نفسه لأنهم مكتسبون بغصبهم التعظيم والاحترام كما مرّ‏.‏ ومن أجل إهمال هذا الباب غلب الظلم وكثر الفساد وسفكت دماء وغصبت أموال يعلمها الكبير المتعال، حتى إن المسافر ينهب ماله أو يسفك دمه فيرسله العامل للقضاة فيستبشر المدعى عليه لعلمه أن القاضي يرده لليمين، وكان الواجب عليه أن لا يرسله للقاضي بل يبالغ في كشفه بالضرب وطول السجن والإغرام على ما مرّ، وقبائل الزمان كلهم متهمون إذ غالب أحوالهم النهب والغصب وسفك الدماء وغيرهم من مردة الحواضر تظهر تهمته بالقرائن ودلائل أحواله، ولذا جرى العمل بالإغرام لأن الحمل على الغالب واجب، والمراد إغرام لأربابه الطالبين له، وأما ما يفعله جهال العمال من أخذهم أموالاً من السراق والغصاب ولا يدفعون للطالب شيئاً مما يدعيه فذلك خرق للكتاب والسنة والإجماع قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا تأكلون أموالكم بينكم بالباطل‏}‏ إلى قوله‏:‏ ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 30‏)‏ الخ‏.‏

الرابع‏:‏ إذا كان الإنسان معروفاً مشهوراً بعدم التعدي وعدم أكل أموال الناس فرفعه شخص لجائر يتجاوز الحد فيه ويغرمه ما لا يجب عليه فالذي به العمل أن الشاكي يغرم للمشكو به ما غرم كما في المواق عن ابن لب ونحوه في المعيار عن العبدوسي، وعليه فإذا ثبت الرفع للظالم وقدر ما دفعه ببينة أو إقرار الشاكي فلا كلام، وإن لم يثبت ذلك وادعى المشكو به أنه دفع كذا وخالفه الشاكي فالقول للمشكو به كما في معاوضات المعيار عن سيدي مصباح قائلاً‏:‏ إذا تقرر العرف أن المشكو به لا يطلق إلا بمال كان القول قول المشكو به في أنه دفع مالاً للظالم وفي قدره بيمينه لأن العرف كشاهد لمدعيه ويجب رجوعه على الظالم إن قدر عليه، وإن لم يقدر ففيه اختلاف، والذي به الفتوى وعليه العمل رجوعه على الشاكي، وبمثله أفتى الفقيه الجنوي وغيره، وهذه المسألة حكى ‏(‏خ‏)‏ فيها أقوالاً حيث قال‏:‏ وهل يضمن شاكيه لمغرم زائد الخ‏.‏ وهذا إذا كان الشاكي ظالماً كما هو الموضوع، وأما إن كان مظلوماً لا يصل إلى حقه إلا بالشكوى للظالم الجائر فلا شيء عليه، والحكام اليوم محمولون على الجور كما مّر عن أبي الحسن‏.‏

الخامس‏:‏ قيل لابن سحنون فبم يعرف السارق المشهور وغير المشهور‏؟‏ فقال‏:‏ اختلف فيه العلماء‏.‏ فقيل‏:‏ إذا كثر طلابه بالسرقة وقويت فيه التهمة فهو مشهور‏.‏ قال‏:‏ فكل من ادعى بالسرقة على السارق المشهور بها يحلف على شيئين أنه ضاع وتلف له ما ادعاه على السارق، ويحلف أيضاً لقد اتهمه ويغرم السارق بغير بينة لأن إشهاره بالسرقة هو شاهد عرفي أقوى من البينة الناطقة‏.‏ قال‏:‏ ويقوّم عليه قيمة مغلظة لأنه أحق بالحمل عليه اه‏.‏ من الدر المكنون‏.‏ يعني‏:‏ والغاصب المشهور بالغصب مثل السارق المذكور، وسيأتي في فصل السرقة أن سراق الزمان كلهم لصوص تجري عليهم أحكام الحرابة، ويثبت ذلك ولو بالسماع الفاشي وذكر في الدرر المكنونة في نوازل مازونة عن سحنون أنه قال‏:‏ تجوز على السارق شهادة الصبيان والرعاة إذا عرفوه، وقالوا‏:‏ فلان رأيناه سرق دابة فلان وتجوز عليهم شهادة السيارة عدولاً كانوا أو غير عدول وليس قول من قال‏:‏ لا يجوز عليهم إلا العدول بشيء عندنا، وقد سئل مالك عن مثل هذا الأمر في لصوص أهل الحجاز وبرابر برقة فقال‏:‏ تجوز عليهم شهادة من لقيهم من الناس، فقيل له‏:‏ إنهم غير عدول‏.‏ قال‏:‏ وأين يوجد العدول على مواضع السارق واللص، وإنما يتبع اللص والسارق الخلوات التي ليس فيها العدول‏.‏ وقاله محمد بن سحنون اه‏.‏ ونحوه في

تنبيه الغافل قائلاً‏:‏

تقبل شهادة غير العدول على السارق سواء كان الشاهد رجلاً أو امرأة ولو لم يغرم السارق واللص إلا بشهادة العدول لم يغرم السارق أبداً، ثم قال‏:‏ لو شهد عليه واحد يحلف صاحب المتاع معه ويستحق قال‏:‏ إن كان معروفاً بالسرقة فلا يمين عليه وكل موضع لا يمكن فيه حضور العدول فالشهادة على التوسم بظاهر الإسلام جائزة احتياطاً لأموال الناس، وسيأتي قول الناظم‏:‏

ومالك فيما رواه أشهب *** قسامة بغير عدل تجب الخ

فهو شاهد لذلك‏.‏ وهذا كله شاهد لما تقدم من العمل المذكور إذ شهادة غير العدول كالعدم في نظر الشرع، ولكن اعتبروها في هذا المحل احتياطاً للأموال، وبه تعلم أن اعتراض الشيخ مصطفى في أوائل الشهادات من حاشيته على ما تقدم عن المازونية، ونوازل ابن سحنون قائلاً ذلك كله خلاف المشهور لا يعول عليه لأن اعتراضه مبني على المشهور، وكلامنا الآن في المعمول به وأيضاً فهو بنفسه نقل عن الذخيرة وغيرها أنا إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول فإنا نجوز شهادة أقلهم فجوراً والأمثل فالأمثل لئلا تضيع المصالح والحقوق‏.‏ وقال‏:‏ وما أظن أحداً يخالفه فإن التكليف شرطه الإمكان الخ‏.‏ ولا شك أن مواطن الخلوات التي يقصدها الغصاب والسراق لا يوجد فيها في الغالب إلا من ذكر من الرعاة ونحوهم فهم أمثل من وجد في تلك المواطن فتجوز شهادتهم للضرورة لئلا تضيع الحقوق كما جازت شهادة الأمثل غير العدول لذلك وعليه فما مر عن المازونية وغيرهما جار على المشهور، وإنما يعتبر الأمثل إذا وجد مع غيره وإلاَّ لم يعتبر إذ التكليف شرطه الإمكان، ومن قال ذلك إنما قاله لعدم إمكان العدول في تلك المواطن كما رأيته ومراعاة الاحتياط لأموال الناس كما تقدم عن

تنبيه الغافل فلا يصح الاعتراض عليهم، والقائلون بالعمل المذكور إنما بنوه على مراعاة تلك المصالح والضرورات ومراعاة العرف في زمنهم كما مّر، ورأوا أن الشهرة بالفساد تنزل منزلة التحقيق وأن ارتكاب المشهور في الزمان الذي غلب على أهله الفساد يفضي إلى سفك الدماء وغصب الأموال كما هو مشاهد بالعيان، وقول الشيخ عبد القادر الفاسي في بعض فتاويه‏:‏

إن نوازل ابن سحنون مطعون فيها إن كان يريد في جميعها فلا سبيل إليه، وإن كان يريد في بعضها فصحيح، وكل كتاب لا يخلو من ارتكابه غير المشهور في بعض مسائله‏.‏

وَالْغُرْمُ والضَّمَانُ مَعْ عِلْمٍ يَجِبْ *** عَلَى الَّذِي انْجرَّ إلَيْهِ مَا غُصِبْ

‏(‏والغرم والضمان مع علم يجب‏)‏ أي‏:‏ وكما يجب الغرم والضمان على الغاصب كذلك يجبان ‏(‏على الذي انجر إليه ما غصب‏.‏

بإرْثٍ أَوْ مِنْ وَاهِبٍ أَوْ بائِعِ *** كالمُتَعَدِّي غَاصِبِ المنافِعِ

بإرث أو‏)‏ أنجر إليه ‏(‏من واهب‏)‏ وهبه له ‏(‏أو‏)‏ من ‏(‏بائع‏)‏ باعه له مع علمه في ذلك كله بالغصب ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ووارثه وموهوبه إن علما كهو أي كالغاصب فيضمنون التلف ولو بسماوي، ويردون الغلة حيث استعملوا ولم يفت المغصوب، فإن فات لم يجمع للمغصوب منه بين القيمة والغلة كما مّر في الغاصب، وتعتبر القيمة يوم قبضهم للمغصوب، لأنه يوم الاستيلاء بالنسبة إليهم ويخير المالك في اتباع أيهم شاء، وإذا رجع المالك على واحد منهم فلا رجوع له على الغاصب كما في المدونة إلا في المشتري إذا وجد المغصوب بيده وأخذه ربه فإنه يرجع بثمنه على الغاصب ولا يكون بعلمه بالغصب واهباً للثمن على الصحيح لأنه لو قصد الهبة لم يرتبها على هذا العقد قاله أبو الحسن‏.‏ ومفهوم قوله مع علم أنهم إذا لم يعلموا فلا يضمنون السماوي حيث كان مما لا يغاب عليه أو يغاب عليه وقامت على تلفه بينة، ومعنى عدم ضمانه أنهم لا يكونون غريماً ثانياً للمالك، بل إنما يرجع بقيمته على الغاصب ويأخذ الغاصب الثمن من المشتري إن كان لم يقبضه ولا يضمن المشتري الغلة التي استغلها غير عالم ولا يضمنها الغاصب أيضاً على المشهور لأنه لم يستعمل، واحترزت بالسماوي من العمد فإنهم يضمنون، وكذا الخطأ على المعتمد فيخير المالك حينئذ في مسألة الشراء بين الرجوع على الغاصب فيأخذه بقيمته يوم الاستيلاء وبين الرجوع على المشتري فيأخذه بقيمته يوم التلف، فإن كانت أقل من القيمة يوم الغصب رجع على الغاصب بتمامها، ورجع المشتري على الغاصب بالثمن الذي دفع له‏.‏ وفي مسألة الهبة لا يخير المالك بل يبتدىء بالرجوع على الغاصب فيأخذه بقيمة الموهوب يوم الاستيلاء أو بالغلة التي استغلها الموهوب له حيث اختار تضمينه الغلة دون قيمة الموهوب، وإلاَّ فلا يجمع له بينهما كما مّر فإن أعسر الغاصب أو لم يوجد أو وجد ولم يقدر عليه فيرجع حينئذ على الموهوب له لأنه المستهلك ثم لا يرجع الموهوب له على الغاصب بشيء كما في المدونة خلافاً لما في التوضيح لأنه يقول له‏:‏ وهبتك شيئاً لم يتم لك، وفي مسألة الوارث يخير المالك كتخييره في مسألة الشراء حيث كانت تركة الغاصب موجودة، وقولهم يرد الوارث الغلة يعني إن كان المغصوب قائماً علم بالغصب أم لا‏.‏ وفات بسماوي ولم يعلم، وأما إن فات بجنايته عمداً أو خطأ فالظاهر أنه لا يجمع له بين الغلة والقيمة فتأمله‏.‏

تنبيه‏:‏

إذا تلف المغصوب فغرم الغاصب قيمته ثم وجده فإنه يكون له لا لربه وكذا الراعي والصانع والمستعير وغيرهم كما تقدم الكلام على ذلك مستوفى في باب الصلح‏.‏ ثم أشار الناظم إلى تعريف المتعدي مشبهاً له بالغاصب في الضمان فقال‏:‏

‏(‏كالمتعدي‏)‏ وهو ‏(‏غاصب المنافع‏)‏ دون قصد تملك الرقبة كما مّر أول الفصل فإنه يضمن م تعدى عليه إن هلك بغير سماوي ويضمن الغلة سواء استعمل أو عطل بخلاف الغاصب فلا يضمن إلا غلة ما استعمل، ويفارقه أيضاً في كونه يضمن القيمة يوم تعديه، ولا يضمن السماوي بخلاف الغاصب فإنه يضمن القيمة يوم الاستيلاء ويضمن السماوي ويفارقه أيضاً في أنه إذا تعدى على منافع الإبل ونحوها فحبسها عن أسواقها فإنه يضمن قيمتها إن شاء ربها ولو شاء ردها سالمة بخلاف الغاصب فإنه لا خيار لربها إن جاء بها سالمة، ويفارقه أيضاً في أنه إذا جنى على السلعة فأتلف المقصود منها فإن ربها يخير في أخذها مع ما نقصها أو أخذ قيمتها بخلاف ما إذا لم يتلف المقصود منها بل عيبها عيباً قليلاً فلا خيار لربها، وإنما له أخذها مع أرش العيب كما يأتي في قوله‏:‏ ومتلف منفعة مقصوده الخ‏.‏ بخلاف الغاصب فإن ربها يخير بالعيب القليل والكثير كما مّر عند قوله‏:‏ فإن تلف قوم والمثل بذي مثل ألف‏.‏ ثم أشار إلى أن مفهوم المتعدي والغاصب وهو من حاز شيئاً بشبهة من شراء أو غيره ثم استحق من يده بوجه من الوجوه الشرعية لا يرد الغلة فقال‏:‏

وَشُبْهَةٌ كالْمِلْكِ في ذا الشَّأْنِ *** لِقَوْلِهِ الْخَرَاجُ بالضّمانِ

‏(‏وشبهة‏)‏ للملك كمشتر ومكتر من غاصب لم يعلما بغصبه وكمجهول حاله لا يدري هل هو غاصب أم لا‏.‏ وهل واهبه غاصب أم لا‏.‏ وكذا موهوب الغاصب إذا لم يعلم وكان الغاصب ملياً إذ لو كان معدماً لم تكن لموهوبه غلة كما مّر قريباً لا وارث الغاصب فلا غلة له مطلقاً كما مر‏.‏ ‏(‏كالملك‏)‏ التام الذي لم يطرأ عليه استحقاق ‏(‏في ذا الشأن‏)‏ أي شأن الغلة فلا يردها واحد ممن تقدم حيث طرأ عليه استحقاق ‏(‏لقوله‏)‏ ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ ‏(‏الخراج‏)‏ أي الغلة ‏(‏بالضمان‏)‏ والمشتري الذي لم يعلم لو هلك ما اشتراه لكان ضمانه منه بمعنى أنه لا يرجع بثمنه على الغاصب، فكانت الغلة له وهو معنى قول الفقهاء من عليه التوا فله النما والتوا بالمثناة والقصر أي ضمان الشيء إذا هلك، والنما بالنون الزيادة والمراد به الغلة‏.‏

وَلاَ يَكُون الرَّدُّ في اسْتِحَقَاقِ *** وَفَاسِدِ الْبَيْعِ عَلى الإطْلاَقِ

‏(‏و‏)‏ لكون الخراج بالضمان ‏(‏لا يكون الرد‏)‏ للغلة ‏(‏في‏)‏ طرو ‏(‏استحقاق‏)‏ على من له شبهة الملك كما مّر ولو فرعه بالفاء وقدمه على قوله‏:‏ الخراج بالضمان لكان أحسن ‏(‏خ‏)‏‏:‏ والغلة لذي الشبهة أو المجهول الحكم كوارث وموهوب ومشتر لم يعلموا الخ‏.‏ ومراده بالوارث وارث من جهلت حاله أو ظهرت شبهته لا وارث الغاصب لما مر أنه لا غلة له علم أو لم يعلم، وكذا محيي أرضاً يظنها مواتاً لا غلة له كما مر في ابن يونس، لكن الوارث ومحيي الأرض وإن كانا لا غلة لهما لا يهدم بناؤهما ولا يقلع زرعهما فذو الشبهة الذي له الغلة أخص من ذي الشبهة الذي لا يقلع غرسه ولا بناؤه بل يجري على قول ‏(‏خ‏)‏ في الاستحقاق‏:‏ وإن غرس أو بنى قيل للمالك أعطه قيمته قائماً الخ‏.‏ ودخل في النظم من باع ما يعرف لغيره زاعماً أن مالكه وكله على بيعه وهو من ناحيته وسببه فلم يثبت التوكيل وفسخ البيع فلا ترد الغلة كما للخمي، وكذا إذا باع الحاضن ما ليس بيسير ثم فسخ بيعه فلا ترد الغلة أيضاً، وكذلك إذا باع على الصغير قريبه كالأخ والعم بلا إيصاء ولا حضانة فكبر الصغير وأخذ شيئه، فإن المشتري لا يرد الغلة ولو كان عالماً يوم البيع بتعدي البائع، وهذا على أن القريب لا يتنزل منزلة الوصي، وأما على أنه يتنزل منزلته وهو المعمول به كما مّر فلا إشكال أنه لا يردها بل ولا يفسخ البيع وأما من اشترى حبساً من المحبس عليه وهو عالم بالتحبيس فيردها كما مّر في قوله‏:‏ ومن يبيع ما عليه حبساً الخ‏.‏

تنبيه‏:‏

قال ابن زرب‏:‏ من ادعى أنه ابتاع داراً من رجل وأنكر الرجل ذلك فلم تقم للمدعي بينة أنه يؤخذ بخرجها فقال له ابن دحون‏:‏ أليس الغلة بالضمان‏؟‏ فقال‏:‏ أليس هذا مقراً بأن الدار كانت للقائم ويزعم أنه ابتاعها ولم يثبت له ذلك فرجع عليه بالغلة‏.‏ ولو قال الدار ملكي ولم يدع ابتياعها من القائم ثم ثبتت للقائم لم يرجع عليه بالغلة اه‏.‏ ونظمها في اللامية حيث قال‏:‏

وغرم خراج من على غيره ادعى *** بملك به سكناه بيعاً تقبلا

الخ

وهذا إذا لم تمض الحيازة القاطعة كعشر سنين وإلاَّ فيصدق وإن لم يثبته كما مَّر في قوله‏:‏

في الحيازة واليمين له إن ادعى الشراء منه معمله‏.‏

وانظر ما يعارض ما قاله ابن زرب في فصل الاستحقاق من شرحنا للشامل، ثم ذكر أربعة أمور لا ترد فيها الغلة لدخولها في الخراج بالضمان فقال‏:‏ ‏(‏و‏)‏ لا ترد الغلة أيضاً في ‏(‏فاسد البيع على الإطلاق‏)‏ كان قائماً وفسخ البيع ورد المبيع أو فات بالثمن أو القيمة ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض ولا غلة تصحبه، فإن فات مضى المختلف فيه بثمنه وإلاَّ ضمن قيمته الخ‏.‏

وَالرَّدِّ بالْعَيْبِ وَلا في السِّلْعَهْ *** مَوجُودَةً في فَلَسٍ وَالشُّفْعَهْ

‏(‏و‏)‏ لا ترد أيضاً في ‏(‏الرد بالعيب‏)‏ يطلع عليه بعد أن استغل لكون الضمان منه أو هلك المبيع ‏(‏ولا‏)‏ ترد أيضاً ‏(‏في السلعة‏)‏ كسفينة ودابة مثلاً اشتراهما واستغلهما قبل أن يدفع الثمن وكانت كلتاهما ‏(‏موجودة‏)‏ بحالها ‏(‏في فلس‏)‏ المشتري فإن ربهما يكون أحق بهما في ثمنه ولا يرجع على المفلس بما استغله لكون الضمان منه لو هلكتا بيده‏.‏ ‏(‏و‏)‏ لا ترد أيضاً في ‏(‏الشفعة‏)‏ يقوم بها الشريك بعد أن استغل المشتري لكون الضمان منه لو هلك الشقص، وقد أشار ‏(‏خ‏)‏ لهذه الأمور في العيوب حيث قال‏:‏ والغلة له أي للمشتري للفسخ بخلاف ولد وثمرة أبرت وصوف تم كشفعة واستحقاق وتفليس وفساد الخ‏.‏ وقد استفيد من قوله‏:‏ بخلاف ولد إلى قوله وصوف، تم أن عدم رد الغلة في هذه الأمور الخمسة إنما هو فيما حدث منها بعد البيع، لكن إن كان ثمرة غير مؤبرة يوم الشراء أو حدثت بعده ففي العيب والفساد يستحقها المشتري بمجرد الزهو وفي الشفعة والاستحقاق باليبس وفي التفليس بالجذاذ وهو القطع، وإليه أشار ابن غازي بقوله‏:‏

الجذ في الثمار فيما انتقيا *** يضبطه تجد عفزاً شسيا

ومعنى انتقيا اختير فالتاء في تجد للتفليس والجيم وحدها أو مع الدال للجذاذ والعين والفاء في عفزاً للعيب والفساد والزاي للزهو والشين والسين في شسيا للشفعة والاستحقاق، والياء لليبس فإن كانت صوفاً غير تام وقت البيع أو حدث بعده فهو له إذا جزه قبل الاطلاع على العيب، فإن اطلع عليه قبل جزه فهو تبع للغنم ولو تم، وإن جزه بعد الاطلاع فهو رضا‏.‏ قال في المقدمات‏:‏ ولا يرجع المبتاع بشيء من نفقته عليها بخلاف النخل، وفي الاستحقاق يأخذه المبتاع إذا جذت وكذا في الفساد والتفليس ولا تتصور الشفعة فيه هذا حكم الحادث من الغلة في الأمور المذكورة، وأما ما كان موجوداً قبل البيع ففيه تفصيل أيضاً فالولد سواء كان مما لا يعقل أم لا ليس بغلة في الاستحقاق والرد بالعيب والتفليس فهو للبائع في الآخرين، وللمستحق في الأول سواء اشتراها حاملاً الولد أو حدث الولد عنده، وفي الفساد يفوته ويوجب الرجوع بالقيمة وفي الشفعة لا يتصور فيها، وأما الثمرة المؤبرة حين البيع فهي للبائع ألا أن يشترطها المشتري فإن اشترطها واطلع على عيب فيردها إن كانت قائمة وإلاَّ رد مكيلتها إن علمت أو قيمتها إن جهلت أو ثمنها إن بيعت لأن لها وقت البيع حصة من الثمن ويرجع بسفيه وعلاجه، وحكمها في البيع الفاسد كحكم الرد بالعيب، وأما في التفليس فالبائع أحق بها ما لم تجذ فإن جذت كان أحق بالأصول بما ينوبها من الثمن ويحاصص بما ينوب الثمرة، وأما في الاستحقاق والشفعة فإن طرأ أحدهما قبل طيب الثمرة فهو أحق بها بعد أن يؤدي أجرة السقي والعلاج وإن طرأ بعد طيب الثمرة قبل يبسها أو بعد يبسها ولم تجذ أو بعد جذها وهي قائمة أو فائتة فإن المستحق يأخذ الثمرة بعد أن يرفع أجرة السقي والعلاج على نحو ما تقدم في العيب، والشفيع يأخذها مع الأصول مع أجرة السقي والعلاج ما لم تيبس وإلا فيأخذ الأصل ويحط عنه ما ينوب الثمرة من الثمن كما قال ‏(‏خ‏)‏ في الشفعة‏:‏ وحط حصتها إن أزهت أو أبرت الخ‏.‏ وأما الصوف التام وقت البيع ففي العيب يرده مع الغنم فإن جزه وفات رد مثله فإن لم يعلم وزنه رد الغنم بحصتها من الثمن‏.‏ اللخمي‏:‏ وإن وجد العيب بعد أن جزها وعاد إليها الصوف ردها ولا شيء عليه للصوف الأول اه‏.‏ ولا يرجع المبتاع بشيء من نفقته عليها بخلاف النخل، والفرق أن للغنم غلة تبتغي منها سوى الصوف وفي استحقاق الغنم يأخذه المستحق إن كان قائماً أو مثله إن استهلكه المبتاع وعلم وزنه، وإلاَّ رد قيمته وإن كان قد باعه رد ثمنه‏.‏ وفي التفليس يكون بائعه أحق به مدة كونه قائماً وإن جزه المفلس، وإن فات خير البائع بين أخذ الغنم بما ينوبها من الثمن وحاص بما ينوب الصوف منه وبين تسليم الغنم وحاص بجميع ثمنها وفي البيع الفاسد قال ‏(‏ح‏)‏ لم أقف على نص فيه، والظاهر أن حكمه حكم العيب، وأما في الشفعة فلا تتصور في الصوف ثم أشار إلى بقية الكلام على المتعدي، وتقدم أنه إذا أتلف الشيء ضمنه، وإذا عيبه فيخير ربه بين المفيت للمقصود دون غيره فليس له إلا أرش العيب فقال‏:‏